الأحد، 19 يونيو، 2011

مستقبل المجلس الأعلى للثقافة

د‮. ‬عزالدين شكري‮ ‬ أمين عام المجلس الأعلي للثقافة
نفتح هنا ملف المجلس الأعلي للثقافة،‮ ‬ليس بحثا في ملفات قديمة وأدوارا لم يؤدها المجلس،‮ ‬ولكن نحاول هنا أن نفهم كيف نستفيد فعلا من هذا الكيان الكبير،‮ ‬الذي أنشأ ليلعب دورا رئيسيا في حياة المثقفين‮. ‬الحديث عن المجلس وأدواره يقودنا بالضرورة للحديث عن فكرة الاستقلال التي هي الضمانة الحقيقة لتحقيق هذه الأهداف‮.‬
يكتب د‮. ‬عزالدين شكري فشير أحدث من تولوا منصب الأمين العام،‮ ‬عن تصوراته الخاصة لدور المجلس،‮ ‬والسيناريوهات المقترحة لتطويره في الفترة القادمة‮. ‬أيضا نحاور الفنان عادل السيوي صاحب المقترح الأبرز لإعادة هيكلة المجلس،‮ ‬والذي يعتمد اعتمادا أساسيا علي استقلاله‮. ‬القضية واسعة،‮ ‬والمشاركة مفتوحة للجميع‮..‬
دارت علي مدي الشهرين الماضيين مناقشات بالمجلس الأعلي للثقافة حول مستقبله‮. ‬اشترك فيها شخصيات من أطياف الجماعة الثقافية المتباينة،‮ ‬بعضها في جلسات ثنائية وكثير منها في جلسات مفتوحة‮. ‬وأود هنا إجمال ما أراه رأي الأغلبية في عدد من القضايا المتصلة بمستقبل المجلس،‮ ‬وتوضيح الأسئلة الباقية التي يتعين علينا كجماعة ثقافية الإجابة عنها كي نبني المجلس الذي نريده للمستقبل‮.‬
أول عناصر الإجماع‮ ‬_‮ ‬مع بعض التصرف من جانبي‮ - ‬هو تصميم الجماعة الثقافية علي تحرير العمل الثقافي ومؤسساته من سيطرة الدولة،‮ ‬ودفن ممارسات الإقصاء والاحتكار واستخدام المؤسسات العامة لمصالح شخصية،‮ ‬وتحصين هذه المؤسسات ضد خطر عودة الاستبداد‮. ‬وثانيها أن للمجلس أدواراً‮ ‬عدة،‮ ‬من بينها المحفز والحاضن والداعم للعمل الثقافي،‮ ‬والعقل الجمعي الذي يرسم السياسات الثقافية ويبلور الرؤي الموجودة داخل الجماعة الثقافية،‮ ‬والمنبر الذي تعبر من خلاله هذه الجماعة عن صوتها في الشأن العام‮. ‬وثالث هذه العناصر هو الرغبة في أن يعكس المجلس تباينات الثقافات المصرية بألوانها،‮ ‬من حيث هياكله وطريقة عمله،‮ ‬ومن حيث الأشخاص الذين يقودون العمل فيه وطريقة اختيارهم‮. ‬واتفقت معظم الآراء علي ضرورة ترشيد ومراجعة لجان المجلس ومهامها،‮ ‬وعلي أفضلية اختيار أعضاء هذه اللجان من خلال ترشيحات تقدمها الجماعات والهيئات والشخصيات الثقافية،‮ ‬وانتخاب أعضاء اللجان لمقرريها ولهيئة المجلس وللأمين العام‮. ‬وآخر عناصر الإجماع هو ضرورة احتفاظ المجلس بأدوات تمكنه من تنفيذ أدواره،‮ ‬مثل الجوائز والنشر والتمويل،‮ ‬وذلك لتحقيق أولويات السياسات الثقافية التي يبلورها هذا المجلس الجديد‮.‬
وفي رأيي،‮ ‬فإن هناك أكثر من نموذج يمكنه تحقيق هذه الأهداف‮. ‬الأول أن يكون المجلس هو الهيئة العليا للثقافة في البلاد،‮ ‬وأن تلغي وزارة الثقافة‮. ‬وهذا نموذج قائم وناجح في عدد من الدول،‮ ‬إلا أني أشك في استعداد الدولة المصرية‮ ‬_‮ ‬بل والمثقفين أنفسهم‮ ‬_‮ ‬لتبني هذا النموذج،‮ ‬خاصة أننا مقدمون علي نوع جديد من الحكومات يقودها سياسيون منتخبون ذوو رؤي اجتماعية وثقافية يسعون لتطبيقها‮. ‬ولا أتصور أن تترك الحكومات المنتخبة المسيسة أمراً‮ ‬كالثقافة أو التعليم يخرج عن يدها بالكامل‮. ‬
النموذج الثاني يظل المجلس فيه جزء من وزارة الثقافة مع دعم استقلاله من خلال سيطرة الجماعة الثقافية علي عملية تشكيل لجانه وهيئاته،‮ ‬بحيث يصبح المجلس جسراً‮ ‬للجماعة الثقافية داخل الوزارة‮. ‬الأمر الذي يمكن المجلس‮ ‬_‮ ‬والجماعة الثقافية التي تسيطر عليه‮ - ‬من المساهمة بفاعلية في بلورة الرؤية الثقافية للدولة والسياسات التي تحققها والمشاركة في تنفيذها‮. ‬وهذا النموذج أقرب للتصميم الأصلي للمجلس القائم قبل أن تعود الدولة في أوائل الثمانينات وتحكم سيطرتها عليه وعلي هيئاته‮.‬
النموذج الثالث هو انفصال المجلس عن الوزارة وتحوله لأمر من اثنين‮: ‬إما أن يصبح برلماناً‮ ‬للمثقفين يراقب عمل الوزارة دون أن يكون له مهام تنفيذية،‮ ‬أو إلي هيئة تخطيطية ترسم الرؤي والسياسات وتنسق مع الوزارة وتتابع عملها في محاولة لتنفيذ هذه الرؤي‮. ‬وفي رأيي فإن كلا الأمرين شر للمجلس ولمستقبل صنع السياسة الثقافية‮. ‬فإن اتفقنا علي أن أدوار المجلس تشمل تحفيز ودعم واحتضان العمل الثقافي،‮ ‬فإن تحويله لهيئة شبه برلمانية ينحصر دورها في المراقبة يصبح أمراً‮ ‬بلا معني،‮ ‬وعلي كل حال ليس هناك مايمنع المثقفين من إنشاء اتحاد أو جمعية تقوم بهذا الدور‮. ‬بمعني آخر،‮ ‬إن قيام المجلس بأدواره المنشودة يتطلب بقاء‮ ‬_‮ ‬بل وتطوير‮ ‬_‮ ‬قدرته علي التدخل الفعلي في عملية الانتاج الثقافي وتوجيهها،‮ ‬أي الحفاظ علي طابعه التنفيذي‮. ‬من ناحية أخري،‮ ‬فإن تحويل المجلس لهيئة منفصلة عن وزارة الثقافة وموازية لها أمر محكوم عليه بالفشل،‮ ‬فالتنسيق بين هيئتين تتنازعان الاختصاص وتعكسان مصالح سياسية متباينة‮ ‬_‮ ‬وهو الحال هنا‮ - ‬مستحيل عملياً‮ ‬مهما سنت القوانين وقطعت العهود‮.‬
ومن ثم،‮ ‬فإن النموذج الذي أري أنه يحقق الأهداف التي نرجوها للمجلس هو أن يعاد تشكيله بحيث يتم اختيار كوادره وقياداته من جانب الجماعة الثقافية،‮ ‬وأن يتم ترشيد ومراجعة لجانه وهيئاته وطريقة عمله،‮ ‬مع بقائه جزءاً‮ ‬من وزارة الثقافة يساهم في رسم سياساتها وتطبيقها‮. ‬أي أن نجعله بمثابة حصان طروادة دائم للجماعة الثقافية داخل وزارة الثقافة‮. ‬
إنني أدرك حجم الرغبة في فصل المجلس عن الوزارة بالكامل،‮ ‬لكني أيضاً‮ ‬أدرك أن هذه الرغبة تذكيها جراح الماضي ولا تأخذ في اعتبارها التغيير الضخم الجاري في مصر‮. ‬ثمة ثورة قامت في يناير،‮ ‬والدولة التي نحاول بناءها ليست نفس الدولة التي انقضت‮. ‬نحن لا نبني مجلساً‮ ‬ثقافياً‮ ‬لدولة مطلقة السلطات‮ ‬غاشمة،‮ ‬بل لدولة بها تداول للسلطة وانتخابات ورقابة شعبية‮. ‬وإن كان هناك عبرة نستخلصها من يناير‮ ‬2011‮ ‬فهي أن المجتمع أقوي من الدولة‮. ‬ولايصح بعد اليوم أن نخاف من هذه الدولة ونحاول أن نبني الحصون ونحتمي خلفها من بطشها،‮ ‬بل علينا أن نقوم ونتقدم ونحتل هذه الدولة ومفاصلها ومؤسساتها ونقودها كي تخدم المجتمع وأهدافه‮. ‬ليس هناك في هذه البلاد مصريون ومماليك‮. ‬ولا يجب السماح للدولة أن تنفصل عن المجتمع بعد الآن‮. ‬وإن كانت الدولة قد‮ "‬دجنت‮" ‬المثقفين وأدخلتهم‮ "‬الحظيرة‮" ‬الشهيرة،‮ ‬فإن النموذج الذي أراه للمجلس الأعلي للثقافة يدجن الدولة،‮ ‬ويدخلها حظيرة الثقافة‮.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المجلس الأعلى للثقافة - في الأخبار